النقد للنقد ليس سبيل المؤمنين . عبد الرحمن بشير

النقد للنقد ليس سبيل المؤمنين . عبد الرحمن بشير ………………………………………………………………… هناك سبيلان لنقد الأفكار ، وتناول الأشخاص ، وتقييم الرجال ، فالسبيل الأول هو النقد لأجل النقد ، ومحاربة الإنسان لأنه مخالف للفكرة التى نؤمن بها ، والسبيل الآخر هو النقد لأجل الحق ، والوصول إلى الصواب ، وهو النقد الموضوعي المبني على دراسة الأفكار ، وتاريخ الأشخاص وواقعهم ، ومحاولة التنبؤ لمستقبلهم من خلال حياتهم وأفكارهم بعيدا عن الذاتية والتحيز ، وهذا النوع من النقد قليل فى الساحة ، ونادر الوجود ، ومن هنا نجد أن الكتاب العزيز يدعونا إلى مبادئ عدة لأجل التطبيق الأمثل لهذا النوع من النقد . ليس من الإسلام أن ننسى تاريخ الإنسان لأجل الحاضر ، وليس من العدل أن نحصر حياة الإنسان كلها فى مرحلة معينة ، وليس كذلك من الصواب أن نقرأ جوانب خاصة فى حياة الإنسان ، وننسى الجوانب الأخرى ، ولهذا نجد الوحي يؤكد لنا فى الوصول إلى الحقيقة إلى تطبيق المبادئ التالية : أولا : الشمولية فى الرؤية ، والنظر الشامل إلى حياة الإنسان كلها من البداية إلى الآن ، فقد يخطئ إنسان ما فى جانب من الجوانب ، ولكنه يكون عظيما فى جانب آخر من حياته ، ولهذا فلا بد أن نأخذ منهج علماء الحديث فى نقد الرجال حين يقولون كنموذج : فلان عابد ، ولكنه ليس متقنا فى الحفظ ، أو يقولون فلان حافظ متقن ، ولكنه ضال ، فهذا الكلام يكثر عند الإمام الذهبي رحمه الله فى نقده وتقييمه للرجال ، والبعض من الناس حسبوا أن فى كلامه تناقضا ، ولكن عند التحقيق لا نجد هذا التناقض ، بل نجد تمحيصاً للشخص ، ودراسة عميقة للرجال ، وفحصا نوعيا للشخصيات تاريخا ، وحاضرا ، ولكن المصيبة تكمن فى نقد الرجال جملة وتفصيلا ، وهذا من بخس الحقوق ، وهو مرفوض شرعا وعقلا . ثانيا : إن نقد الأشخاص يتطلب نوعا من التوازن فى النظر إليهم ، فالغلو فى حق الرجال وتقديسهم مرفوض ، كما أن البخس فى حق الرجال ممنوع شرعا ، فقال تعالى : ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) فمن الغلو أن يجعل الناقد بعض الرجال فوق النظر ، وأن يجعل البعض الآخر محلا للّمز والهمز ، ولهذا نجد عند البعض نظارتين فقط ، إحداهما شديدة البياض ، فلا يلبس إلا عند نقد المخالفين ، فيرى فيهم كل العيوب ، بينما يلبس حين يريد أن يتناول الأحباب نظارة شديدة السواد ، فلا يرى فيهم العيوب ، فالناس لديه إما ملائكة معصومين ، أو شياطين من جنود إبليس ، ولهذا نجد هؤلاء يوزعون عند الخلاف الكفر والفسق والبدعة فى أدنى الشبهات ، بل ولا يذكرون للمخالف خيرا ، ولو كان بسيطا . ثالثا : دراسة الإنسان دراسة موضوعية بعيدة عن الذاتية ، فقد يجتمع فى الإنسان الواحد الخير والشر ، البدعة والسنة ، الإيمان والكفر ، وقد يكون جانب الخير فيه غالب مع وجود شر مستطير لديه ، وقد يكون الإنسان فى الغالب سنيا مع وجود بدع ظاهرة فيه ، وقد يكون الإنسان مخطئا سياسيا ، ولكنه مسلم يحب دين الله ، ويعظم رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ومن هنا فليس من المستطاع الوصول إلى هذه الدرجة إلا من خلال دراسات هادئة ، والعيش مع الرجال فى حياتهم العامة والخاصة ، فلا يوجد فى الحياةالإنسانية خيرا محضا ، ولا شرا محضا ، ولهذا كان فقه الموازنة مطلوبا فى هذا الباب ، ومن حاد عنه فقد ضل عن الصواب والعدل ، والإنسان كما فى آيات كثيرة إما أن يكون صاحب ميزان ثقيل ( فأما من ثقلت موازينه ) ، أو صاحب ميزان خفيف ( وأما من خفّت موازينه ) ، وليس هناك من كان ميزانه كاملا ، ، أو منعدم الخير ، فلاحظ هذا أيها اللبيب . رابعا : لا بد من الإتصاف حين التناول فى الأشخاص من صفتين ، العلم والعدل ، فلا يمكن الحكم على الشخص بدون علم ، وليس من الصواب أن يتكلم إنسان فى حق إنسان آخر بدون عدل ، ولهذا قال تعالى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ) ومن الدين أن نتكلم فى الناس ما لهم وما عليهم ، وليس من حقنا أن نعظم ما عليهم ، ونصغّر ما لهم ، فهذا أيضا خروج من الميزان الموضوع للمسلمين ( ووضع الميزان ) ، والله وضع هذا الميزان لتحقيق هدفين أساسيين فى حياة الناس ( وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) الإخسار مرفوض إسلاميا ، وكذلك الطغيان ،ومن قبل ذكر الكتاب العزيز ( ألا تطغوا فى الميزان ) . خامسا : وجوب التثبت والتبين ، وعدم التسرع فى إلقاء الأحكام على الناس والرجال ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ) ، وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ، فالتثبت منهج إسلامي ، وفضيلة أخلاقية ، ومكرمة إنسانية ، كما أنه يدل على نضج صاحبه ، وعلوّ كعبه ، وقوة شخصيته ، وبعد نظره ، واتزان عقله . سادسا : كلام الأقران ليس مقبولا فى باب النقد ، ولهذا قال مالك بن دينار : يؤخذ بقول العلماء والقراء فى كل شيئ إلا قول بعضهم فى بعض ، فإنهم أشد تحاسدوا من التيوس ، وإلى هذا أشار عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث أكد بأن لا يسمع لبعض العلماء على البعض ، وأن لا يصدّق بعضهم على بعض ، ثم حلف بالله العظيم ، والذى نفسه بيده أنهم لأشد تغايرا من التيوس فى زربها، ومن الآداب فى هذا الباب لا يحل الحكم بالإحتمال ، فلا يحل بحمل كلام المسلم فى أسوأ الإحتمالات إدا كان هناك إمكانية حمل الكلام فى وجه حسن ،وأن لا يحكم بردة المسلم إلا بعد بيان الحق له ، ومنه أيضا الكلام الذى يكون بين الجماعات والمدارس فحكم ذلك منبثق من حكم كلام الأقران فيما بينهم . سابعا : مراعاة فقه الموازنة ، ورعاية المصالح الشرعية ، ودرء المفاسد بحكمة ، وهذا الفقه يتطلب إلى دراسات فقهية عميقة فى النفوس ، وقراءات واسعة فى الحياة ، ونظرات دقيقة للأحكام ، ومآلات الأمور ، ولهذا قد يكون الصمت أبلغ من الكلام فى بعض الأمور ، وتجاوز بعض القضايا بفقه أفضل من التناول عند بعض الأزمنة ، فالفقيه الرباني يعرف متى يتكلم ؟ ولماذا ؟ ومتى يسكت ولماذا ؟ وما هي المسائل الضرورية التى يجب تناولها بعمق وشجاعة ؟ وما هي المسائل التى يجب أن يسكت عنها بفقه وشجاعة وصبر ؟ ولديه فقه عميق فى فهم قاعدة ( إذا تعارضت المصالح والمفاسد ، أو تزاحمت ) ، ومن هذه القاعدة يبرز الفقيه المتأني الذى لا يكثر الأعداء ، ويحاول تقليلهم بقدر الإمكان ، وينشط فى تكثير الأصدقاء بكل ما أوتي من جهد . ثامنا : أن يكون الناقد مخلصا فى عمله لله وحده ، فلا يخاصم لأجل شخصه ، أو طريقته ، أو الإنتصار لجماعته ومذهبه الفقهي والفكري ، كل ذلك من المطالَب الدنيوية ، ولا يبقى إلا ما كان خالصا لوجه الله تبارك تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) .
التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق