أضواء في العلاقات الصومالية السودانية (3)

أضواء في العلاقات الصومالية السودانية (3)

الروابط التعليمية بين البلدين قبل الاستقلال

موسى أحمد عيسى

و عندما نتحدث عن الروابط التعليمية بين البلدين نقصد به دور السودان التعليمي لمساهمة تطوير التعليم في الصومال وخير دليل على ذالك أن الأستاذ خير الله السوداني فتح في عام 1878 أول مدرسة نظامية أهلية في بربرة بشمال الصومال، وأنجبت هذه المدرسة أول طليعة صومالية متعلمة تعليما حديثا من أمثال محمود أحمد علي الملقب بأب التعليم في الصومال والذى سافر الى السودان لإستكمال دراسته، وبعد عودته أنشأ في هرجيسا مدرسة أهلية مسائية في عام 1935 أصبحت النواة الأولى للتعليم النظام الأهلى في الصومال[1] وكان التعليم في الصومال قبل استحداث النظم التعليمية الحديثة-دينيا- يهدف إلى نشر مبادىء الدين الإسلامى وكانت أهم مراكز الإشعاع الديني في الصومال هي مدينتي هرر ومقديشو.

بدأ التعليم الدينى يتطور تدريجيا على أيدى بعض المدرسين الصوماليين وبدأ هذا التطور قبل بداية التعليم الأكاديمى في عهد الإستعمار، وقد كتبت الدكتورة محاسن عبد القادر حاج الصافى مقالا عن العلاقات التعليمية بين البلدين، بعنوان(دور كلية غردون ومعهد بخت الرضا في التعليم في أفريقيا:الصومال ونيجيريا أنمودجا) واعتمدت الباحثة على مقال كتبه المرحوم مكاوى سليمان أكرت ضابط حكومة محلية سابقا-الى السكرتير الإداري بالخرطوم في24/9/1943،نشرته صحف(السودان ستار)و(النيل)وصوت السودان بعنوانThe Sudan a good neighbour،تحدث فيه عن مساهمة السودان ومساعدته لجيرانه في الصومال واليمن في مجال التعليم والثقافة ,وأهم مما جاء في مقالها:

1) أن الصومال رسمت سياساتها التعليمية على النمظ السودانى، وكان هذا أمرا ضروريا في المراحل الأولى من بنائها،حيث استفادت الصومال المناهج السودانية قبل الإستقلال وقررت المناهج بالمدارس الصومالية استنادا على المنهج السودانى
2) أن العون السودانى التعليمى في ذالك الزمان اى قبل الإستقلال تمثل في ارسال معلمين ونظار مدارس، واستطاعت السودان رغم إمكانيتها الضعيفة توفير معلمى اللغة العربية والإنجليزية، الأمر الذى كان محل تقدير وعرفان،لذا كان لابد من الموازنة بين ضرورة تطوير وتنمية السياسية التعليمية داخل السودان وبين حاجة تللك الدول للمعلمين من السودان،واحتاجت الصومال خاصة أثناء فترة الإدارة العسكرية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية الى إستعارة معلمين فى اللغة العربية من السودان بعد أن فشلت محاولات توفير معلمين من مناطق أخرى مثله كزنجبار لعدم وجود الكادر المؤهل هناك.
3) البحث عن الأماكن المتاحة فى المدارس السودانية لإستقبال الطلبة من الخارج ، وفعلا اصبح كلية غردون ومعهد بخت الرضا مهيئا للإستقبال الطلبة من الخارج
4) افتتاح خير الله السودانى أول مدرسة نموذجية فى الصومال الشمالى فى بربرا عام 1872 وكما هو معروف فإن الدكتورة محاسن اختلفت تاريخ افتتاح المدرسة التي وردت في المصدر السابق، وذكرت أن من تلامذته الأستاذ محمود أحمد علي الملقب بأب التعليم في الصومال، وشيخ علي إبراهيم
5) دور محمود أحمد علي في تطوير التعليم فى الصومال حيث تقول الدكتورة محاسن(تذكر فوزية يوسف آدم في مقال لها أن رحلة التعليم النظامى في الصومال الشمالى بدأت عام 1938 عندما تقابل المرحوم محمود أحمد على ووالدها يوسف آدم فى السودان حيث كان يدرس كليهما،اتفقا على بدء التعليم بالمرحلة الأولية”الأساسية” بصورة قاطعة رغما عن المعارضة القوية من الصوماليين لنظام التعليم الغربي الأوربي)[2]

وهكذا بدأت التعليم النظامي الصومال ، وقبل ذالك فشلت المحاولة التى قام بها المبشرون الكاثوليك فى عام 1891 م مما أدى الى اغلاق المدرسة التى قاموا بإنشائها1910 م ،بعدما نشرت مدارس التبشرية المسيحية تعاليم تخالف الشريعة الاسلامية وبدلت حتى أسماء تلاميذ الذين درسوا تلك المدارس في مدينتي بربرا وشيخ ،مما أدى إلى غضب السيد محمد عبدالله حسن وإندلاع ثورة الدراويش المباركةولذا فقد نجح السيد محمد عبدالله حسن فى نشر الثقافة الاسلامية وتعاليم محمد صالح السوداني إلى الصومال ومن إنجازاته:

1) إحياء الدين الاسلامى على منهج الشيخ أحمد بن ادريس الطريقة الصالحية وتطبيق الشريعة وإضعاف التراث اللادينى في الثقافة الصومالية
2) توحيد المسلمين في مناطق السلطنات الإسلامية القديمة من الصومال الكبير
3) منافحة المستعمرين ومجاهدتهم بمختلف السبل السياسية والعسكرية
4) أعطى الأمة الصومالية قوية ضد التغريب والثقافة الأجنبية
5) ساهم في توحيد المزاج النفسي للمسلمين في الصومال الكبير بأشعاره وتجربته
6) سن سنة أداء الشعائر الدينية بحزم ومنع الإختلاط وفرض الحجاب
7) إستعان بالنساء فى الحرب وظهرت عدة فارسات
8) لم يكن يسمى اتباعه بالصوماليين وانما الدراويش وهى تعنى المسلم أموره لشيخ الطريقة دون تعمق(مريد)
9) حارب الممارسات الإجتماعية الضارة،كمضغ القات وشرب الدخان والترف والبذخ.[3]

وكما أسلفنا بعد أن فشلت محاولة انشاء مدرسة ابتدائية في بربرا بواسطة الحكومة الاستعمارية أصر الأستاذان محمود أحمد علي ويوسف آدم على إنشاء المدرسة الإبتدائيةالأولى في هرجيسا عام 1942م بشكل رسمى.

وقد سمي محمود أحمد علي وجماعته ب (أولو العزم)،وقد روى الصوماليون قصة فى غاية الأهمية وتدل حرصهم الشديد على نشر التعليم النظامي في الصومالي،والقصة كالتالي:كتب أحد الأساتذة فى مدارس برعو رسالة إلى محمود أحمد على يشكوا فيها كره الصوماليين للتعليم النظامي،وظنهم أنهم ينصرون أبناءهم فقال الأستاذ( إني دعوت قومي ليلا ونهارا.فلم يزدهم دعائي إلا فرارا)،ويقصد بذالك أنهم نادوا إلى الصوماليين التعليم النظامي ليلا ونهارا فلم يجدو ا منهم قبولا،وكما هو واضح فقد كتب الأستاذ رسالته آية قرآنية كي لا يفهمه المستعمر مدلول الرسالة،ففهم محمود أحمد علي مضمون الرسالة فكتب له رسالة أخرى فيها آية قرآنية ايضا وهى(فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) وهذه الرسالة تدل على عبقرية محمود أحمد علي،ومعنى الرسالة أن يصبر فى إيذاء الناس وجهلهم عليه،لأنهم يوما ما سيعرفون فائدة العلم والتعليم.

وبعد نجاح هذا المسعى طلب من الإدارة الإستعمارية أن يزور وزير التعليم الصومال عليه،أرسل المسترBell من قبل الإدارة البريطانية فوضع نظام التعليم في الصومال بفتح المزيد من المدارس الإبتدائيةوالوسطى.

ولم تتم إعارة مدرسين سودانيين للصومال انذآك،ولكن ومنذ عام1919م قبل ست طلاب صوماليين في كلية غوردون.

وفى الفترة مابين الأعوام 1920-1938 تم قبول بعض الصوماليين في مدارس الخرطوم في المراحل الإبتدائية والوسطى وفي كلية غوردون.

وقد تدرب هؤلاء الطلاب ككتبة وفي مجال القضاء والهندسة،وضمت بخت الرضا أربعة طلاب صوماليين تلقوا تدريبهم هناك.

استفاد الصوماليون خاصة من المحمية الشمالية البريطانية من المؤسسات التعليمية التى أنشأها البريطانيون في السودان أثناء فترة الحكم الثنائى،وذالك تبعا لوضعهم كذالك تحت الإدارة البريطانية،ووصل فى ذالك الوقت الى كلية غوردون عام1921 كل من محمود أحمد علي ثم علي شيخ موسى،وعمر الصومالى واستمرو حتى عام 1929،وأصبح محمود أحمد علي أول مدير للتعليم (المعارف )في الصومال،ولقد بدأت التعليم في الصومال كما اسلفنا،كما صار من رواد الحركة الوطنية الصومالية.

وفي الأربعينات جاءت دفعة أخرى ضمت عبدالرحمن أحمد علي-أول رئيس لأرض الصومال الانفصالية -الا أنه عدل عن رأيه الانفصالى واصبح وحدوى فيما بعد.
ولم تتخلف المرأة الصومالية عن الركب حيث جاءت إلى السودان-طالبة للعلم-راقية حاج دعالى وآمنة حاج آدم والتحقتا بكلية المعلمات بأم درمان في بداية الستينات من القرن العشرين.

كذالك تشير وثائق وزارة الداخلية ومصلحة المعارف بالسودان إلى وجود عدد من الطلاب الصوماليين ببخت الرضا منهم محمد حاج حرسى ويوسف إسماعيل شيرى.
وبعد اشتداد حركة النضال الوطني في السودان متمثلة فى مؤتمر الخريجين سعى الإداريون البريطانيون منع ارسال المزيد من الطلاب الصوماليين للسودان
وأن مقترح إرسال طلاب الصوماليين لدول شرق أفريقيا قد إكتنفته بعض المشاكل والمحاذير التى تتخلص في أسباب سياسية وأخرى ترتبط بسياسة التفرقة العنصرية التى إنتهجتها بعض تلك الدول،ومع حساسية بريطانيا المفرطة من هيمنة الأثر المصري وإنتشار المد الثقافي المصري في القرن الإفريقى، فقد عادت بريطانيا للإهتمام بإرسال الطلاب الصوماليين للسودان.

وفي برقية من الخارجية البريطانية إلى الخرطوم يرد ما نصه:
نحن نناقش مع الولايات المتحدة والحكومة الإيطالية الطرق والوسائل التى يمكن عن طريقها وقف الأثر المصري في الصومال ،والتأكيد على علاقة ودية مع الصومال بعد الإستقلال في عام 1960م من المقترحات التى ندرسها هو مد الصومال بعون تعليمي وثقافي[4]

و ممكن أن نقول إن فترة ماقبل استقلال الصومال اقتصرت العلاقة التعليمية بين البلدين بالنقاط التالية:
1) توفير معلمي اللغة العربية إلى الصومال
2) تدريب الطلاب في مجال القضاء والكتبىة
3) الإستفادة من المناهج السودانية

ولم تتجاوز الجهود التعليمية لإدارة الإحتلال في صومال المحمية حتى عام 1938 كما اسلفنا تقديم المساعدات للمدارس القرآنية ومنح بعض الطلاب منحا دراسية في مدارس السودان وعدن، ويبدوا أن مرد ذلك،رفض المجتمع الصومالى لأى مشروع تعليمي إنجليزي،خوفا على دين أبنائهم، خصوصا أن الذكريات المريرة التى صاحبت فتح أول مدرسة كاثوليكية فى بربرا ونصرت أبناء البادية من الصوماليين واشعلت ثورة السيد/ محمد عبدالله ماتزال حية فى الأذهان كما ذكرنا،وحينما فتحت سلطات الإحتلال مدرسة هرجيسا الأولية،قام عليها بعض المشايخ فهدموها وكفروا كل من انضم اليها بتدريس أو إلحاق للأولاد.

ارتبطت النهضة التعليمية فى الصومال المعاصر بأمرين:

1- قيام الحركة الوطنية وظهور الأحزاب السياسية،على الأخص،حزب وحدة الشباب الصومالى،الذي فتح المدارس الأهلية حيث فتحت اول مدرسة في مقر الحزب في هرجيسا
2- عودة الطلاب الصوماليين الذين ارسلتهم الإدارة الإستعمارية عام 1938م إلى معهد بخت الرضا بالسودان فى عام 1942 وهم يوسف اسماعيل سمنتر،ومحمد شره محمد وعبدالسلام حسن مرسل،حيث باشروا التدريس في مدرسة فتحها محمد شيرة محمد في بربرا وأخرى فتحها يوسف اسماعيل في برعوا وقد انضم اليهم عدد من المتطوعين من الصوماليين المثقفين

عزف الشعب عن إرسال أبنائه لهذه المدارس،حتى سمى هؤلاء الأساتذة بأولي العزم ولم يزد حصيلة هاتين المدرستين عن 17 طالبا،واصبح هؤلاء الطلاب نواة الحركة التعليمية في محمية الصومال بعد تخرجهم ،وكانت هذه المدارس تعمل على أساس المنهج السودانى[5]

---------------- هوامش -----------------------

  1. عبد القادر محمد معلم جيدى،الصومال وقضية التحول من مجتمع رعوى إلى مجتمع مدنى،رسالة ماجستير غير منشورة 2001 جامعة أفريقيا العالمية ص 239 []
  2. أوراق مؤتمر العلمى في ملتقى الجامعات الإفريقية بجامعة افريقيا العالمية ، الخرطوم يناير2006م، الكتاب الثالث، ص 211-221 []
  3. حسن مكى محمد أحمد ، السياسات الثقافية في الصومال الكبير ،المركز الاسلامي الإفريقي،سولو للطباعة،ص 36-37 []
  4. أوراق مؤتمر العلمي، الكتاب الثالث،مرجع سابق،ص221 []
  5. حسن مكى محمد أحمد ،السياسات الثقافية في الصومال الكبير،المرجع السابق،ص154 []
التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق